عبد القادر الجيلاني

85

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

المقالة الحادية والعشرون في مكالمة إبليس عليه اللعنة قال رضي اللّه عنه : رأيت إبليس اللعين في المنام وأنا في جمع كثير فهممت بقتله ، فقال لي لعنة اللّه لم تقتلني وما ذنبي ؟ إن جرى القدر بالشر فلا أقدر أغيره إلى خير وأنقله إليه ، وإن جرى بالخير فلا أقدر أغيره إلى شر وأنقله إليه ، فأي شيء بيدي ؟ وكانت صورته على صورة الخناثى لين الكلام مشوه الوجه طاقات شعر في ذقنه حقير الصورة دميم الخلقة ، ثم تبسم في وجهي تبسم خجل ووجل وذلك في ليلة الأحد ثاني عشر ذي الحجة من سنة ستة عشر وخمسمائة ، واللّه الهادي لكل خير . المقالة الثانية والعشرون في ابتلاء المؤمن على قدر إيمانه قال رضي اللّه عنه وأرضاه : لا يزال اللّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه ، فمن عظم إيمانه وكثر وتزايد عظم بلاؤه ، الرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي ، لأن إيمانه أعظم ، والنبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل وبلاء البدل أعظم من بلاء الولي ، كل واحد على قدر إيمانه ويقينه . وأصل ذلك قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إنا معشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل » « 1 » فيديم اللّه تعالى البلاء لهؤلاء السادات الكرام حتى يكونوا أبدا في الحضرة ولا يغفلوا عن اليقظة ، لأنه يحبهم ، فهم أهل المحبة يحبون الحق ، والمحب أبدا لا يختار بعد محبوبه ، فالبلاء خطاف لقلوبهم وقيد لنفوسهم ، يمنعهم عن الميل إلى غير مطلوبهم والسكون والركون إلى غير خالقهم ، فإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم وانكسرت نفوسهم وتميز الحق من الباطل فتنزوي الشهوات والإرادات ، والميل إلى اللذات والراحات دنيا وأخرى بأجمعها إلى ما يلي النفس ويصير السكون إلى وعد الحق عزّ وجلّ ، والرضا بقضائه ، والقناعة بعطائه ، والصبر على بلائه ، والأمن من شر خلقه إلى ما يلي القلب ، فتقوى شوكة القلب ، فتصير الولاية على الجوارح إليه ، لأن البلاء يقوي القلب واليقين ، ويحقق الإيمان والصبر ، ويضعف النفس والهوى ، لأنه كلما وصل الألم ووجد من المؤمن الصبر والرضا والتسليم لفعل الرب عزّ وجلّ ، رضي الرب تعالى عنه وشكره ، فجاءه المدد والزيادة

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2139 ) ، وابن حبان ( 7 / 160 ، 184 ) .